عبد الملك الجويني

83

الشامل في أصول الدين

إدراكا متعلقا بلونه . والإدراك أولا لم يتعلق بحال الجوهر وعرض زائد عليه ، وهذا لازم لا محيص عنه . فهذه جمل مقنعة في إثبات ما رمناه . فصل مشتمل على ذكر شبه المخالفين اعلموا أحسن اللّه إرشادكم أن معظم شبه مخالفينا ترجع إلى طريقة واحدة ، وهي أنهم قالوا : الجوهر والعرض موجودان متغايران محدثان ، لا يوجب أحدهما الثاني ولا يقتضيه . وسبيل كل فعلين صادرين من الفاعل أن يجوز ثبوت أحدهما دون الثاني ، إذ الفعل يصدر على اختيار الفاعل ، ويستحيل أن يوجب أحد الفعلين إحداث الفعل الآخر ، واعتبروا ذلك بالعرضين والجوهرين . فنقول : إذا صدر هذا عن البصريين في الألوان ، انتقض عليهم في الأكوان . وإن صدر عن البغداديين في الأكوان ، بطل بالألوان . وإن صدر من الصالحي ، فيبطل من أوجه أقربها : إن الذي قاله في الجوهر ينعكس عليه في العرض ، ويلزمه تجويز عرض بلا جوهر لصدور العرض على اختيار الفاعل . ومما يوضح فساد ذلك : أن فعل السواد يمنع من فعل البياض ، مع تحقق الاختيار في العرضين . فلئن لم يبعد امتناع أحدهما بالثاني ، لم يبعد لزوم أحدهما عند ثبوت الثاني في محل التنازع . فإن قال : إن اجتماع الضدين من المستحيلات ، ولا يوصف القادر بالاقتدار على المحال . قيل : وكذلك وجود الجوهر دون الأعراض مستحيل لما قدمناه ، فكذلك استحالة جواهر لا تجتمع ولا تفترق . ومما يوضح فساد ما تمسكوا به : أن الحياة شرط في ثبوت العلم ، ثم العلم والحياة فعلان ، فهلا ثبت العلم دون الحياة على قضية مذهب الخصم ؟ ومما نعارضه به أن نقول : من قامت به آلام وأسقام ، وانتفت عنه الآفات المانعة من العلم ، فيعلم ما قام به من الألم لا محالة . فلئن لم يبعد اقتران العلم والألم وجوبا ، لم يبعد ذلك في الجوهر والعرض . ومما يتعلقون به : التمسك بضروب لا معنى للاستدلال بها ، منها : أنهم يقولون الماء والهواء لا لون لهما ، والحجارة والخشب وقشور الجوز واللوز ونحوهما لا طعوم لها ، وكل ما ذكروه باطل .